الشنقيطي
102
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عن القتال لم يمنعهم من الإحسان إليه ، فكان يراح عليه كل يوم بحليب سبع نياق حتى فك أسره فأسلم طواعية ، وهكذا نص قوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الإنسان : 8 - 9 ] الآية . ومعلوم أنه لم يكن ثم أسير بيد المسلمين إلا من الكفار . وفي سنة تسع وهي سنة الوفود ، فكان يقدم إلى المدينة المسلمون وغير المسلمين ، فيتلقون الجميع بالبر والإحسان كوفد نجران وغيرهم وها هوذا وفد تميم جاء يفاخر ويفاوض في أسارى له ، فيأذن لهم صلى اللّه عليه وسلم ، ويستمع مفاخرتهم ويأمر من يرد عليهم من المسلمين ، وفي النهاية يسلمون ويجيزهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالجوائز ، وهذا أقوى دليل على عدم النسخ ، لأن وفدا يأتي متحديا مفاخرا لكنه لم يقاتل ولم يظاهر على إخراجهم من ديارهم ، وجاء في أمر جار في عرف العرب فجاراهم فيه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أعلن لهم أنه ما بالمفاخرة بعث ، ولكن ترفقا بهم ، وإحسانا إليهم ، وتأليفا لقلوبهم ، وقد كان فأسلموا ، وهذا ما تعطيه جميع الأقوال التي قدمناها . وقد بحث إمام المفسرين الطبري هذه المسألة من نواحي النقل وأخيرا ختم بحثه بقوله ما نصه : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال عنى بذلك قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم إن اللّه عز وجل عم بقوله : الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض ، ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه ، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام ، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح . وقد بينا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء وأمها . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، يقول إن اللّه يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم ، فيبرون من برهم ، ويحسنون إلى من أحسن إليهم . انتهى منه .